أحمد مصطفى المراغي

17

تفسير المراغي

بتكذيبها وأعرضوا عنها وتركوا النظر الصحيح المؤدى إلى الإيمان به ، ومعرفة صدق رسوله . والخلاصة - إنه ما ظهرت لهم آية من الآيات الناطقة ببدائع صنع اللّه وسوابغ آلائه الموجبة للإقبال عليها والإيمان بها إلا أعرضوا عنها مكذبين مستهزءين ، ولم يكلفوا أنفسهم مشقة البحث في صدقها ، والاستدلال بها على وحدانيته وصدق رسوله . وبعد أن ذكر إعراضهم عن الخالق بين قسوتهم على المخلوقين فقال : ( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ) أي وإذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم اللّه على الفقراء والمحاويج من المسلمين قالوا لمن طلب منهم ذلك : لو شاء اللّه لأغناهم وأطعمهم من رزقه ، فنحن نوافق مشيئة اللّه فيهم . وفي قوله : مما رزقكم اللّه ، ترغيب في الإنفاق على نهج قوله : « وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ » وتنبيه إلى عظيم جرمهم في ترك الامتثال للأمر ، وذم لهم على ترك الشفقة على عباد اللّه . وإجمال ذلك - إنهم لم يعظّموا الخالق ولم يشفقوا على المخلوق . ثم ذكر أنهم على شحهم وبخلهم عابوا الآمر على الإنفاق ووصفوه بالضلال البين الذي لا شبهة فيه فقال : ( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أي ما أنتم أيها القوم في قيلكم لنا أنفقوا مما رزقكم اللّه على مساكينكم - إلا في جور بيّن وبعد عن سبيل الرشاد لمن تأمل وتدبر . وهذا معذرة البخلاء في كل عصر ومصر ، إذ تراهم دائما يقولون : لا نعطى من حرمه اللّه ، وتلك فرية منهم ، لأن اللّه أغنى بعض الخلق ، وأفقر بعضا ، ابتلاء منه لعباده ، ولأسباب نحن لا نعلمها لا بخلا منه وشحا ، وأمره الأغنياء بالإنفاق على الفقراء ليس لحاجة منه إلى مالهم ، بل ليبلوهم ويرى أيمتثلون الأمر ويؤدون الواجب ، أم ينكصون على أعقابهم ويولون مدبرين ؟ .